محمد أبو زهرة
1783
زهرة التفاسير
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا لقد أنزل الله الكتب ، وأرسل الرسل ، وبين طريق الحق من الباطل ، والهدى من الضلالة ، والرشاد من الغواية ، وهذا فضل من الله ورحمة ، ولولا هدايتكم للعمل بما جاءت به الرسل ، وأنزلت به الكتب ، لا تبعتم الشيطان ، ولبقيتم على الكفر سائرين في طريق الضلال ، إلا قليلا منكم كانوا هم المهتدين ، أو لا تبعتم الشيطان في غالب أعمالكم ، وكان اتباعكم للرسول وللكتاب اتباعا قليلا ، ولغلبت سيئاتكم حسناتكم ، وفي ذلك ما فيه من الخسران ، والعياذ بالله تعالى . فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حتى ولو تركوك وحدك منفردا لا أحد معك ، فإن معية الله خير وأبقى ، فهو الذي أمرك بالقتال ، وهو الذي تكفل بنصرك إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ( 51 ) [ غافر ] . في الآية أمر من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، بألا يترك جهاد العدو ، حتى ولو كان وحده ، لأن الله ضمن له النصر ، وهناك من يقولون أن الخطاب للأمة كلها ، إذ قال ابن عطية في تفسيره : « هذا ظاهر اللفظ ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال قد فرض عليه وحده دون الأمة مدة ما ، فالمعنى ، والله أعلم ، أنه خطاب له في اللفظ ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه ، أي أنت يا محمد ، وكل واحد من أمتك ، هذا الخطاب موجه إليه ، وكل إنسان ليس مكلفا إلا عن نفسه ، فإن تقدم نفسك للجهاد فإن الله هو ناصرك ، وليس الجنود ، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف من الجند ، فالنصر أولا وأخيرا من عند الله . وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى الخروج للقاء المشركين في معركة بدر الصغرى ، وكان أبو سفيان قد واعد الرسول على أن يتلاقوا فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت الآية ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وليس معه إلا سبعون ، ولو لم يخرج معه أحد لخرج وحده ، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول له : يا محمد ، إنك لا تكلف إلا نفسك وحدها ، فأخرج وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ إذ ليس عليك بالنسبة لهم إلا التحريض ، وأمرهم دون تعنيف عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا